27 août 2019

الصُّعُودُ إلى بُرجِ قليبية

على هامِشِ مهرجان "ليالِي البُرج":

الصُّعُودُ إلى بُرجِ قليبية


الصُّعُودُ إلى بُرجِ قليبية ليسَ بالأمرِ الهَيِّنِ كما قد يَبدُو للزَّائِرِ في البِدايةِ. فهذا الصَّرْحُ العَظيمُ الذي تَعاقبَتْ على تَشيِيدِهِ سَواعِدُ الشُّعوبِ شَرقِيِّهَا وغَرْبِيِّهَا، مِنْ بربرٍ وقرطاجِيّينَ ورُومانٍ وإغريقٍ ووندالٍ وعَربٍ وتُرْكٍ ... ذاك الطَّوْدُ الشَّامِخُ الذي يَتراءَى سِحرُهُ للنَّاظِرِ من بعيدٍ، إنّما ينتصِبُ كالتَّاجِ على رَبْوَةٍ مُحاذِيَةٍ للبحرِ يبلُغُ اِرْتِفاعُها عنهُ سبعةً وسَبعينَ مِتْرًا. وهو اِرْتِفَاعٌ كافٍ لِجَعلِكَ تَلْهَثُ وتتوقَّفُ مِرَارًا لِالْتِقاطِ أنفاسِكَ وإمْتاعِ ناظِرَيْكَ بِزُرْقَةِ البحرِ إذا كُنْتَ مُتَرَجِلا. وحتَّى إذا كُنتَ رَاكِبًا سَيَّارتَكَ، فإنَّكَ لَسْتَ بِبالِغٍ قِمَّتَهُ. لِأنَّكَ إذا وَصلتَ إلى بَوَّابةِ البُرجِ، تنقطِعُ الطَّريقُ المُعَبَّدَةُ ويَبدَأ المَسلَكُ المُدَرَّجُ، فلا خِيارَ لك في مُواصلةِ الصُّعُودِ إلاّ قَدَمَاكَ. وهذا هُو حالُ جميعِ القِلاعِ والحُصُون والرِّباطاتِ في كافّةِ أنحاءِ المعمورةِ: مِن قلعةِ "حلب" إلى سورِ الصّين العظيم وهياكل جبل "أولمب" وأهرامات مصرَ...
هذا الإشكالُ هو الذي اِعترَضَ أيضًا لجنَةَ تنظيمِ مهرجان "لَيالِي بُرج قليبية" منذُ ثلاثِ سنواتٍ. إذْ كيف لهم أنْ يَنْقُلُوا تَجهِيزاتِ المهرجانِ مِنْ رُكحٍ وديكُورٍ وكراسيّ وطاولاتٍ وآلاتٍ مُوسِيقِيّةٍ ووحداتٍ صوتيّةٍ وغيرِ ذلك ممّا يقتضيه تقديمُ العُرُوضِ المُوسيقيّةِ والمسرحيّة والسِّينمائيّة ومعارِضِ الرّسم وغيرِها... كيف لهم أن يصعَدوا بها إلى أعلى الرّبوة؟ وقد اِجتَهدُوا في مُواجهةِ هذه المُعضلة حتّى تَوَصَّلُوا إلى حلٍّ طَرِيفٍ وناجِعٍ في آنٍ واحِدٍ، ألا وهو اِستِخدَامُ الدَّوابِّ المَرْكُوبة. وخَيرُ هذه الدَّوابِّ وأَسْلَمُهَا الحِمارُ. لقد تمتَّعَ رُوّادُ "الفيسبوك" منذ أيّامٍ قليلة بمُشاهدةِ ذلك الفيديو الذي يَظهَرُ فيه حِمارٌ وهو يَجُرُّ عَربةَ "كَرّيطة" عليهَا آلةُ "بيانو" لِيَصعدَ بها إلى رُكحِ "ليالي البُرج" بقليبية تحضِيرًا لعرض الأركستر السّنفونيّ التّونسيّ يوم السّبت 17 أوت الفارط.
كنتُ أنا والفنّان رؤوف قارة نَصَّعَّدُ ربوةَ البُرجِ في عَشِيَّةِ يومِ الثّلاثاء الماضي لِأجلِ حُضُورِ اِفتِتاحِ معرِضِ الرّسمِ الجماعيّ الذي يُشارك فيه رؤوف مع عددٍ من رَسَّامِي قليبية (حيدود- محمد صمود- شكري بن عمر- صادق بن تركية- أورور أليسوني- مراد صمود- عواطف ريدان- ألنكا البلاجي). وبعد الاِفتِتاحِ سيتحوَّلُ الجَميعُ إلى مُشاهدةِ مسرحيّة كوميديّة (ولد شكون؟) لجميلة الشِّيحيّ، تلك المسرحيّة التي مَلَأت الفيسبوك وشَغلتْ النَّاسَ، وأشبَعَهَا حُرَّاسُ الأخلاقِ العامَّةِ وسَدَنَةُ هَياكِلِ المُقَدَّسِ شَتْمًا وثَلْبًا وتَعْرِيضًا، وقد وصلَ بهم الأمرُ إلى شَنِّ حملةٍ فيسبوكيّة من أجلِ مُقاطعةِ المسرحيّة وإفشالِهَا وإقناعِ النَّاسِ بعدمِ مُواكبَتِها، وقد اِعتبَرَتْ بَعضُ هذه الصَّفحاتِ الفيسبوكيّة أنَّ "القليبيّ الحقيقيّ" قلبًا وقالِبًا لنْ يَذهَبَ لِمُشاهَدتِها، وقدْ نَسُوا أو تَناسَوْا أنّهم بتلكَ العمليّةِ يُشْهِرُونَها مَجَانًا. وهو ما تَمَّ بالفِعل، حيثُ أنَّ الجماهيرَ فَزِعتْ للمسرحيّةِ مِنْ كُلِّ صوبٍ وحَدْبٍ، وتَجشَّمَ النّاسُ عَناءَ الصُّعودِ إلى البُرج، وضَحِكُوا وَلَهَوْا واِستمتَعُوا.
ثقافةُ الإهمال:
كُنتُ أحمِلُ اِبنتي "سُلَيْمَى" على كَتِفِي لِعدَمِ قُدرَتِها على مُواصلةِ الصُّعود، وكانَت"حْوِيتَه" كلبَةُ رؤوف تَسْبِقُنا وكأنَّها أعظَمُ شَوْقًا مِنَّا لِرُؤيةِ البرج ومُواكبةِ عُروضِه. لقد كانَ المُرُورُ مِن البوّابةِ الدّاخِليّة التي تَلِي سَقيفةَ مَدخَلِ البُرجِ إلى قاعةِ العرض "L’Oratoire"، أكثرَ صُعوبةً من الصُّعودِ على المُدَرَّجِ. بقايا الحِجارة والأتربة المُكدَّسة هنا وهناك من جرّاء تساقُطِ ما تبقَّى من جدران الحصن البيزنطيّ الموجود داخل أسوار البرج. حجارة ناتِئة في كلّ مكان، بعضُها مُلتَصِقٌ بالأرض، والبعضُ الآخرُ مُتناثِرٌ. نباتاتٌ طُفيليّة وأشواك. لا يعلمُ الماشِي أينَ يَضَعُ قدَمَهُ، فإذا سِرْتَ على التّرابِ تسَرَّبَ إلى داخِلِ حِذائِكَ، وإذا سِرْتَ على الصَّخْرِ فإنّك لا تعلمُ هل هي صخرةٌ ثابِتةٌ أم مُتناثِرة تُوشِكُ أن تنهارَ بِكَ وتتسبّبَ لك في كسرِ ساقِكَ. هذا وقد بدأ الظّلامُ يُرخِي سُدُولَهُ علينا، ولا وُجودَ لمِصباحٍ واحِدٍ في ذلك الممرّ لِيَهدِيَنا إلى سَواءِ السَّبِيل، رغم أنّ لجنةَ المهرجان طلبتْ ذلك مرارًا من المسؤولين عن ذلك المكان من إطاراتِ المعهد الوطنيّ للتّراث، ولا حياةَ لمَنْ تُنادِي...
تَذكَّرتُ هنا نصًّا قرأتُهُ للرّحّالة الفرنسيّ: Victor Guérin يصِفُ فيه حالةَ برجِ قليبية المُزرِية أثناء زيارتِه له سنة 1861، أكداسٌ من الرّدم وحُطام البناءات المُهدَّمة، أشجار تين مهملة وهندي وأشواك، خزّانات مياه ملوّثة عشّشت فيها الخفافيش، وقد فسّرَ ذلك بطريقةٍ فيها كثير من التّحامُل المُغرِضِ علينا، مُعتبِرًا أنّ السببَ في هذه الحالة المُزرِية هو تَهاوُن المُسلمين "L’incurie musulmane"  وغياب عقليّة الصّيانة والتّعهّد لديهم. (*) لكنَّنا رغم كلّ هذا لا نستطيع تكذيب هذا الرّحّالة في ما وصفَهُ، لأنّنا نعلم جيّدًا أنّ التَّهاوُنَ واللاّمبالاة ما زالا إلى حدِّ اليومِ ثقافةً يوميّةً في تونسَ، بل سِياسةً مُنَظَّمةً تنتهِجُها السُّلط المُشرِفةُ على تُراثِنا وثقافَتِنا، لأنّ حالةَ البرج وجميع معالم قليبية وآثار تونسَ عامّةً لا تختلفُ كثيرًا عن الحالة التي وصفها Guérin في كتابِه قبل أكثرَ من قرنٍ ونصف من الزّمن.
يَتَساءلُ رؤوف حائِرًا، وهو لا يعرِفُ أنّنا نَنوِي تكريمَهُ أثناء الاِفتتاح بطريقةٍ مُفاجِئةٍ، فيقُولُ: "كيف سيتمكَّن الشّاعِرُ نور الدّين صمّود والرّسّامُ مُحمّد صمّود مِن الصُّعودِ إلى هذا المكان وقد بَلَغَ بِهما العُمرُ والصّحّة ما بَلَغَاه، وقد أكَّدَا لي أنّهما سيكونانِ مِن الحاضِرِين؟" وفي الحقيقةِ، فإنّنا وَجدناهُما جالِسَيْنِ في الصّفِّ الأماميّ، وقد وَصلا إلى مَكانِ الاِفتِتاحِ على أقدامِهِمَا قبلنا. لقد أثبتَا للجميعِ أنّهُما بَطَلانِ حقيقيَّانِ، لِأنّهما آمنا إيمانًا راسِخًا بعظمة البُرج وحضارتِهِ وثقافتِهِ. لقدْ بُنِيَ البُرجُ بقُوّةِ الإيمانِ، ولَنْ يَبْقَى شَامِخًا إلاّ بقُوّةِ الإيمانِ.
طرد الأرواح الشّرّيرة:
يُفيدُنا الأستاذ عادل تنبان في كتابه: "قليبية عبر التّاريخ"، وفي معرِضِ حديثِه عن الأثاثِ الجنائِزيّ الذي يُوضَعُ في القبورِ البُونيّة الموجودة في "تازغران" و"كركوان" وغيرها من مناطقِ الجهة، أنّ هذه القبورَ تحتوي داخِلَها على أطباق وصحون ومصابيح وأكواب وقناديل وغيرها ممّا يحتاجُ إليه الميّتُ في قبرِه حسب اِعتقاداتِهم، وأنّ بعضَ هذه القبور قد وجدُوا فيها أقنِعةً ضاحِكةً أو ساخِرَةً، وقد كان لها وظيفة التّمائم التي تُضحِكُ الأرواحَ الشِّرِّيرةَ وتُبطِلَ أذاهَا. وعرَضَ الكاتِب في كتابِه (ص 95) صورةً لقناعٍ من هذه الأقنعةِ الضَّاحِكة، وكتبَ تحتَها: "قناع بُونِيّ يُستَعمَلُ لِاِرتِباطِهِ باِعتِقادٍ دِينِيٍّ لِإضحاكِ الأرواحِ الشِّرِّيرَةِ حتَّى لا تُؤذِيَ المَيِّتَ".
في الحقيقة لقد اِجتهد أجدادُنا البونيّون واللّوبيّون منذ آلافِ السِّنين لكيْ يُبعِدُوا عنهم كلَّ أنواعِ الشَّرّ والأرواحِ الفاسِدة، وذلك باِستخدام الضّحك والكوميديا والفرح والانشراح. والحِكمةُ تقتضي النَّسجَ على منوال الآباء والأجداد. فالرّسم والمسرح والموسيقى والسينما، إنما هي أدواتُنا اليومَ لطردِ الأرواحِ الشّرّيرة. والأرواحُ الشِّرِّيرةُ في قليبية اليوم نوعانِ:
-         أولئك الذين يرفضون المسرحَ وسائرَ الفنون ويُشوِّهونَ الفنّانين ويدعون النّاسَ إلى مُقاطَعتِهم. (ولا يُحرِّكونَ ساكِنًا أمام التّلوّث والبناء الفوضويّ برًّا وبحرًا وجَوًّا لأنّ ذلك لا يُهدِّدُ مُقدَّسَاتِهِمْ).
-         أولئكَ المُكلَّفُونَ بحماية التُّراث ولكنّهم لا يحمونَهُ، بل يترُكونَه للإهمال واللاّمبالاة.
وخِتامًا فإنّ الأرواحَ الشّرّيرةَ بجميعِ أنواعِها وأشكالِها لا تُحبُّ "صُعودَ الجِبالِ" والأبراجِ، بل تَعشَقُ "العيشَ بين الحُفرْ" والتَّطفُّلَ على الأمواتِ في قُبُورِهم الضَّاحِكةِ.
مزار بن حسن
(*)p 230- 231. Voyage archéologique dans la régence de Tunis, Paris 1862

أزمة في التّطهير أمْ شللٌ في التّفكير؟

بين قليبية وحمّام الأغزاز:

أزمة في التّطهير أمْ شللٌ في التّفكير؟


في يوم الثّلاثاء 11 جويلية 2017 فوجئ المصطافون في شاطئ الزّهرة التّابع للمنطقة البلديّة بحمّام الأغزاز بالسّيّد الوالي "منوّر الورتاني" يتفقّد حالة الشّاطئ والانتصاب الفوضويّ لِـ "البرّاكات" والواقيات الشّمسيّة، وقد وعد بتطبيق القانون وردع المخالفين. هذه النّقطة التي تعرّض إليها السّيّد الوالي قد طُرحت على مكاتب السّادة ولاة نابل قبل الانتخابات البلديّة وبعدها، لكنّها بقيت للأسف تنتظر التّطبيق والإنجاز. وما أُنجزَ منها لا يكاد يسدُّ رمقَ المُنتظرين، ممّا جعل المواطنَ يفقد الثّقةَ بالسّلطة محلّيّا وجهويّا ووطنيّا. والسّبب الرّئيسيّ خلف كلِّ هذا هو غياب رُؤية واضحة ومدروسة لمستقبل التّنمية في قليبية وحمّام الأغزاز خاصّةً، وفي جميع مدن الشريط السّاحليّ للوطن القبليّ عامّةً.

في يوم الاثنين 10 جوان الماضي نشرت صفحة حمّام الأغزاز على الفيسبوك مقطعَ فيديو يظهر فيه الفنّان والنّاشط الثّقافيّ "نوريّ حمّادة" على نفس الشاطئ (الزّهرة)، وتظهرُ خلفهُ مجموعة من المباني الشّاهقة التي تُطِلُّ على البحر من خلالِ ما تبقّى من أشجار "الكالاتوس" و"الأكاسيا" الهرِمة. ويتساءلُ "النّوريّ" الذي عاد إلى هذا المكان بعد عهدٍ طويلٍ من فراقِهِ: "متى شُيِّدت هذه المنازلُ والبناءات وقد عَهِدتُ المكانَ بِكرًا Vierge لا يعرفُه إلا قلّةٌ قليلةٌ من النّاس؟" كما تساءلَ أيضا بروحٍ مليئةٍ بالظّرف والدُّعابة: "إذا كانت هذه المنطقة غيرَ مُهيَّأةٍ عمرانيًّا، وغيرَ مرتبطةٍ بشبكة التّطهير، فأين تذهبُ الفضلاتُ البشريّة لكُلِّ هذه المساكن؟".
قبل الإجابة عن تساؤلاتِ "النّوري"، وخاصّةً السّؤال الأخير، يجب أوّلا أن نُجيبَ عن التّساؤلات التّالية: أين تذهب المياه المستعملة التي تمرُّ عبر شبكات التّطهير الرّسميّة في حمّام الأغزاز؟ الجواب: يتمّ تجميع كل تلك المياه في محطّة الضّخّ الموجودة على ضفاف سبخة حمّام الأغزاز، حيث تُضخّ بدورها إلى محطّة التّطهير الكبرى بقليبية. لكنّ آلةَ الضّخّ هذه قديمة ومتآكلة وضعيفة، فبمجرّد اِرتفاع ضغط المياه عند نزول الأمطار، أو في فصل الصيف عندما تكون البلدة مليئة بالزوّار والمصطافين، فإنّ هذه الآلة المريضة تتوقّف عن العمل فيتحوّل مصير المياه إلى السّبخة وإلى المزارع الفلاحيّة في "بوقسيلة" و"أمّ حصان" وغيرها، فتنتشر أوّلا الرّوائح الكريهة، وتتولَّى أسرابُ البعوض و"الوشواشة" مُهمَّتَها ثانيا في نقلِ تلك المياه إلى أجسادِ السّكّان والزّوّار ودمائِهم. وثالثا تشرب الخضر والغلال في تلك المزارع ما لذّ لها وطابَ من مياه التّطهير لِيأكُلَها السُّكّانُ والزُّوّارُ أيضا في ما بعدُ هنيئا مريئا.
الأمرُ ذاتُه يتكرّر مع مضخّة التّطهير بـ "وادي الحجر" بمدخل قليبية، وهي التي تصبّ في الوادي مباشرةً، والوادي بدوره لا يبعد عن شاطئ "القرنز" أكثرَ من ثلاثمائة متر، وبهذه الطريقة يتولّى الوادي مُهمّةَ إرسالِ المياه المستعمَلة إلى البحر، حيث تختلط مياهُ التّطهير بمياه بقايا المصانع والمعامل التي تُصرَفُ في الأودية الأخرى المُجاوِرة، وتُشكِّلُ خلطةً سحريّة من المواد والعقاقير والرّوائح التي يستمتع بها السّكّانُ والزُّوّارُ المُستحِمُّون هناك في جوٍّ بهيجٍ ومُنعِشٍ !!
الأمر ذاتُه أيضا مع مضخّة التّطهير التي تصبّ مباشرةً بسبخة قليبية، وبالتّحديد في الموقع الذي يتوسّط بين المكتبة العموميّة وبين "مدينة الألعاب أو المناج". فإذا هبّت الرّياحُ الشّرقيّة يتنعّمُ رُوّادُ المكتبة وعُشّاقُ المطالعة بالرّوائح العجيبة التي تدغدغ أنوفهم لتزيدَهم تركيزًا وإقبالا على القراءة والتّمعّن في الكتب. أمّا إذا هبّت الرّياحُ من ناحية الغرب، فإنّ الأطفال المُقبلين على اللّهو واللّعب بكلِّ ما أوتوا مِن قُوّةٍ يتنشّقونَ تلك الرّوائحَ وهم يلعبون ويمرحون. ولا يجب أن ننسَى بعد كلِّ هذا أنّ الشّارعَ الذي توجد به هذه المحطّة التّطهيريّة يُطلق عليه اسم: "شارع البيئة"، فيا لَها من بيئةٍ !
نعود الآن إلى سؤال "النّوريّ": "ما هو مصيرُ المياه المستعملة التي تخرج من مساكن شاطئ الزّهرة؟"
الإجابة: هو نفس مصير المياه المستعملة في قليبية وحمّام الأغزاز، كلاهما يذهب إلى البحر، مع فارقٍ بسيط، وهو أنّ مياه الزّهرة تذهب مباشرة إلى البحر، أمّا المياه الأخرى فتذهب إليه بعد أن تمرَّ بشبكة ديوان التّطهير.
سألنا أهلَ الذّكر في ما يتعلّق بآلات الضّخّ والحلول الممكنة لتجنّب خطر المياه المستعملة على المواطنين، فكان جوابُهم أنّ شراءَ آلةٍ جديدة مرهون بتوفير مبلغ ماليّ لا يتجاوز المائة ألف دينار إلا بقليل، وهو ما يعادل تقريبا ثمنَ سيارتيْن إداريّتيْن من جملة عشرات آلاف السّيّارات التي تملأ طرقاتِ الدّولة. إذن فالمشكلة ليست مادّيّة بقدر ما هي مشكلة في التّدبير وشلل في التّفكير.
نشرت بلديّة قليبية في صفحتها الرّسميّة بالفيسبوك يوم الثّلاثاء الماضي (16 جويلية 2019) خبرا مفادُه أنّها نفّذت حملة نظافة بالجرّافات في سبخة قليبية من أجل القضاء على ما سمّته "مخافر" النّاموس، وذكرت في ما ذكرت أنّها اِقتلعت نبتة "الحماضة" مُعتبرةً إيّاها من جملة الشّوائب والأوساخ التي يجب إزالتُها !!
لا نحتاج إلى التّذكير أنّ نباتات "الحماضة" و"السّمار" وغيرها، تُعتبَر من النّباتات الأساسيّة المُكوِّنة للنّظام البيئيّ للسّباخ التّونسيّة والمتوسّطيّة المحاذية للبحر، فهي نباتات مقاوِمة للملوحة، وتشكّل مرعًى خصبا للمواشي وغيرها من الثّروات الحيوانيّة المكوِّنة لهذا النّظام، وقد ظلّت تؤدّي وظيفتَها الطّبيعيّة هكذا منذ ملايين السّنين إلى أن جاءت بلديّة قليبية وقرّرت فجأةً اِقتلاعَها بالجرّافات مُعتبِرةً إيّاها مصدرَ قلقٍ وإزعاجٍ ومجلبةً للأوساخ والحشرات !!، أمّا مياه الصّرف الصّحّي التي يسكبها ديوان التّطهير والنّفايات المنزليّة المتراكمة والبناء الفوضويّ والتّحوّز العشوائيّ للملك العموميّ وغلق منافذ السّبخة إلى البحر، وغيرها من الكوارث البيئيّة، لم تعُدْ ترقَى إلى درجة الخُطورة التي تُشكِّلُها نباتات مثل "الحماضة" التي تحوّلت فجأة إلى متَّهمٍ رئيسيّ في قضيّة النّاموس وغيرها من قضايا التّلوّث، فأقلقتْ راحةَ بلديّة قليبية وأقضّتْ مَضاجِعَ مسؤولِيها والقائمين على صفحتِها بالفيسبوك، لذلك تجنّد الجميعُ من أجل القضاءِ عليها بالمال والعتاد والجرّافات...
إنّ خطابًا سياسيّا مثل هذا الخطاب الذي صدرَ عن بلديّة قليبية يدُلّ من غير شكٍّ على أمريْن:
- أنّ المسألةَ البيئيّةَ لدى نُخبِنا ومسؤولينَا وحُكّامِنا غيرُ مُتمكِّنةٍ من عقولِهم وغيرُ حاضرةٍ في مشاغلِهم واِهتِماماتِهم، وإنْ حَضَرت فهي لا تتعدّى مجرّدَ ردودِ أفعالٍ وقتيّة لإطفاء غضب المواطن وكسب رضا النّاخب.
- أنّ الأزمة التي يعاني منها مسؤولونا هي أزمة وعي وتفكير وتدبير قبل أيّ شيء آخرَ.
مزار بن حسن