13 févr. 2008

حمام الأغزاز في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات من خلال كتاب: "امرأة في حياتي" للأستاذ الحبيب رحومة : مزار بن حسن

حمام الأغزاز في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات
من خلال كتاب: "امرأة في حياتي" للأستاذ: الحبيب رحومة
مزار بن حسن
صدر في الأيام الأخيرة الماضية عدد جديد من أعداد مجلة الأخلاء التي يديرها ويرأس تحريرها الأستاذ "الصادق شرف" (أبو وجدان). وهو عبارة عن عدد خاص بمجموعة قصصية عنوانها: "امرأة في حياتي" من تأليف الأستاذ: الحبيب رحومة من أبناء حمام الأغزاز. هذا الكاتب الذي نشأ في ربوع هذه البلدة وقضّى فيها طفولتَه، فأحبها وأخلص في حبه وأمضى سنوات عمره في خدمتها من خلال كتاباته الأدبية والصحفية ومشاركاته في أنشطتها الفكرية والثقافية. يحتوي هذا الكتاب على ثلاثَ عشرةَ قصّة كتبها المؤلّف في فترات زمنية ممتدّة من أواخر الستينات وبدايات الألفيّة الثالثة، ونشرها في مجلات وجرائد تونسية (الصباح/ الأخبار/ الفكر...). وما يهمنا في "دمنة" من هذا الكتاب هو أنّه من المصادر الأدبية القليلة التي نجد فيها تناولا أدبيّا سرديّا للحياة اليومية في حمام الأغزاز في فترات تاريخية عاصرها الكاتب وكان خيرَ شاهد فنّيّ عليها. ولقد اخترنا لقرّائنا من هذا الكتاب بعضَ المقاطع السردية التي نراها تقرّب لهم الصورةَ وتنقل لهم بكلّ فنّ وصدق مشاهدَ عن الحياة اليومية "الغزّيّة" في بداية النصف الثاني من القرن العشرين. وهي مقاطع أُخذت جميعها من القصة الأولى من الكتاب: "غادة" التي يبدو أنها أقرب إلى السيرة الذاتية من أيّ شيء آخر.
[يوم من أيام الشتاء]
"أفاقت القرية الهاجعة على صوت مؤذنها. فقامت عويشة بن حسين لأداء صلاتِها والاستعداد للعمل. كانت طقطقات العربات المتوجهة إلى مقاطع الحجر بحمام الأغزاز وصياح الديكة ونباح الكلاب وضوضاء الفلاحين بمواشيهم خارج منازلهم أو في طريقهم إلى الحقول والبساتين أحبَّ إليها من موسيقى الجاز والأبرات. أعدّت عويشة الماءَ في إبريق ومضت متثاقلة تتوضّأ. وبعد أداء صلاتها وتوجّهها إلى الله بالدعوات الصالحات لابنها الأصغر الحبيب ولشقيقيه حمادي وحسين ولبقية إخوته وأخواته المتزوّجين انهمكت في غزل الصوف كعادتها كلّ صباح قبل ذهابها إلى غرس الزيتون لالتقاط الحبّات المتناثرة تحت الأشجار المزدانة المتهادية. وكان الحبيب يصطحبها صغيرا على مضض كلما سنحت الفرصة خاصة أيام العطل. إذ أكره شيء إليه التقاط الزيتون وجمعُه. أما إذا كانت أمّه مشغولة بأحد الأعمال المنزلية- طحن حبّات الزيتون مثلا- فإنّها تُرغمُه على الذهاب إلى الحقل بمفرده. فعوض أن يلتقطَ ما تناثر تحت الزيتونة كما تفعل أمه العجوز فإنّه يقطف الحبيبات الخضراء على جناح السرعة ويعود بها في غرارة إلى البيت بعد إضاعة الوقت في اللعب مع الأقران." ص 5- 6.
[الطفل الوديع بين كبار القرية]
"تذكّر وهو في الحافلة يومَ كان طفلا وديعا في الرابعة من عمره يرتدي قميصا لا يستر إلا نصفَه الأعلى. كان يرعى البقرات في الغويرقة حذو المدرسة الابتدائية، وفجأة اختفت عن ناظريه بقرة فهرع إلى والده محمد برحومة بدكان عم صالح ليُعلمه باختفائها. كان الأب محمد يقضي معظم أوقات فراغه في هذا المنسج الأليف المجاور لمنزله صحبة عم صالح نسّاج القرية ومجموعة من خيرة أصحابهما. وكان سي مصطفى أحدَ هؤلاء الأصحاب المتآلفين المتحابّين حاضرا في ذلك اليوم، وكان شيخا أعزبَ حكيما لا يتكلم إلا نادرا ولا يقول إلا ما يراه حقا. - البقرة.. البقرة الصفراء هربت يا بابا. فالتفت إليه سي مصطفى قائلا وقد استوى جالسا بعد أن كان متّكئا كعادته: - ابن مَن أنت يا ولدي؟ - أهْـ....لا! قالها برفق ماكر وقد مطط الكلمة حسب مقطعيها: (أهـ...لا) قالها ولا يدري أنها أكبر من سنّه. فضحك الحاضرون وتململوا متهامسين بينما ظلّ سي مصطفى شاخصا أمامه كعادته في مثل هذا الموقف الغريب ثم قال بكل إعجاب: لله أبوك! والتفت إلى الجماعة قائلا: بالحرام بالحرام! هذا ليطلع منه الغريب." ص 8.
[شهادة طفولية على حوادث جانفي 52: الطفولة والحرب ]
"وذات يوم وجد نفسه بين رجال غرباء مدججين بمختلف الأسلحة أمام البيت.. في الغويرقة حيث كان يرعى البقرات وكانت أمه الباسلة كلما اقترب الجنود من بئر الدار حيث كان يقيم كافة أفراد عائلته وخاصة أخواته الأبكار اللاتي التجأن إليه مخافة الاعتداء على أعراضهنّ وخاصة بعد حوادث تازركة وجرجيس المشينة- اعترضت سبيلهم وأخذت منهم السطل- أو الدلو- وملأته بنفسها ماء، لم يكن يدري في ذلك الوقت لماذا خيرت شقيقاته وزوجة أخيه الهادي وابنته مفيدة الإقامةَ في جالة البئر على البقاء في الغرفة على سعَتها ودفئها ولماذا كانت أمّه تبادر بتوفير كل ما يحتاج إليه العسكر المرابط حذو البيت من زيتون وملح وخضر ودجاج وبيض وحتى خراف، ولماذا حطت تلك العساكر الرحال بشاحناتها ومدرعاتها ودباباتها ومدافعها وبنادقها ومسدساتها... في قرية حمام الأغزاز بالذات وفي الغويرقة أمام بيت أبويه بالتحديد، ولماذا نصبوا القدورَ الضخمة لطبخ مختلف الأطعمة واللحوم؟" ص 9.
[ذكريات عائلة غزّيّة]
"لقد كان أبي محمد برحومة سيدَ أهله الكرام. كان تاجرا ناجحا ثريا. وأوّل من أدخل شاحنة إلى بلدتنا الفقيرة المعزولة بحمام الأغزاز. وكان تجار الفلفل الأحمر في ما بعد يعملون عنده بمقابل محترم. فكان يدخل علينا عائدا من الأسواق بغربال من النقود. نعم بغربال من آلاف الدنانير، في حين كان غيره من شباب القرية وكهولها يعملون في هنشير كتوار بمائتين ودلكة كما كان يقال، بمائتين وما يناهز الكيلو دقيقا كهدية من هدايا أمريكا إلى الشعوب المسحوقة تحت نيّر الاستعمار، ولكنّ النعمة لا تدوم. فقد كان (...) (رحمه الله) شقيقي شابا مدللا غريرا متواكلا، كان يعاقر الخمرة مع أصحاب السوء في غفلة من والدي، وكانت أمه عويشة تنصحه بالبعد عن الخمرة وعن معاقرتها مع الأشرار وتهدده بإفشاء سره إلى أبيه. ولكنه لا ينتصح بنصيحة ولا يرتدع برادع حتى سمع أبوه عندما علم أنه باعه نفس الكمية من الفلفل الأحمر المكوش خمسَ مرات على التوالي إذ كان أخي (...) يأتيه بمجموعة من قلائد الفلفل الأحمر المسروقة من كومة فلفلنا المكوّم المعدّ للبيع في السقيفة. وكان (...) إذا سكر بالمدينة المجاورة دخل المقهى ووقف بالباب سدا وقال لروّادها في صلف وغباء: لا تخرجوا... لا بد من أن تشربوا كلكم على حسابي الخاص. أما في بقية المواسم الفلاحية فكان والدي محمد يخضّر صابات الرمان والتين والإجاص والخوخ والعوينة واللوز والدلاع والبطيخ ويبيع ما يجنيه في الأسواق الأسبوعية وخاصة بمنزل تميم." ص 25- 26.

Aucun commentaire: